19يوليو

لا تتعجب من هذا الاسم…. فقد يأتي الوقت الذي نري فيه إعلانا بجريدة الأهرام يقول… أن السيد/ عوض المصري قد أسس حزبا جديدا.. ومعه٢٠٠ فرد من محبيه ومن مريديه.. بهدف تحويل مصر إلي دولة زراعية ذات اكتفاء ذاتي… ويدعو أبناء الشعب للانضمام إلي الحزب.

التجارب الحزبية في مصر ليست مثار اهتمام الكثيرين من أبناء الشعب الذي تعود علي التسامح والطاعة والاستكانة… وخاصة فيما يتعلق بالحكم … وهي طباع مصرية متأصلة في أعماق كل المصريين، وهي أن يكتفي المصري بالحد الادنى للمعيشة… ونجد هذا المعني واضحا في القصص وفي التراث الشعبي وفي الأغاني.. وفي السير الشعبية…

فما الذي يعني الفلاح المصري.. وهو الفئة الغالبة من الشعب المصري..أن ينتمي لحزب معين… يساري أو يميني أو وسط…

والتجارب الحزبية المصرية لها ثلاث مراحل تاريخية فترة ما قبل عام۱۹٥٢(فترات الاحتلال الإنجليزي) وفترة ما بعد عام ٥٢ حتى ۱۹۸۱ (فترات إقامة المنابر– وكلمة منبر أسم مختلف عن مسمي الحزب.. أختاره الرئيس أنور السادات كمرحلة جديدة لإحياء الأحزاب بعد انقطاع دام عشرات السنين في حكم الحزب الواحد.. وكلمة حزب لها وقع غير مألوف لأجيال ولدت وشبت في ظل حكم شمولي منفرد وتربت علي كره كلمة حزب! … ثم الفترة الحالية.. والتي شهدت الكثير من الحراك السياسي المقيد.

ولاشك أن التجارب السياسية دائما ما تواجه مشاكل في بدايات التطبيق… ولعلي لا ألقي اللوم كثيرا علي الأسلوب والطريقة التي تتبعها الحكومة في بداية إنشاء الأحزاب… والتشكك في كل من يقدم علي ممارسة العمل السياسي من خلال حزب جديد… حيث كانت نسبة الأمية في المجتمع المصري في بداية الثمانينات كبيرة… تتعدي ال ٤٠% من تعداد الشعب … أما الآن فالأمر مختلف تماما..

فقد انخفضت كثيرا تلك النسبة… وفي نفس الوقت اتسعت وتعددت وسائل الاتصال والانتقال والمعرفة.. وأصبح ما يحدث في أقصي بقاع الأرض.. يصل إلينا في لحظتها.. وبلا رقابة ونحن نري أكثر الدول تمارس السياسة من خلال أحزاب تم تأسيسها.. بمجرد الإخطار.. فقط الإخطار… وليس طلبا للسماح لها بممارسة العمل السياسي..فلماذا نتعجب من حزب المواطن عوض المصري…! والذي يدعو إلي إقامة دولة زراعية مكتفية ذاتيا.. ( منها فيها !! ) وإذا كان لدينا بالفعل ٢٦ حزبا رسميا فما الضرر في زيادة واحد آخر …. وتعترف به اللجنة الشهيرة بلجنة شؤون الأحزاب بالحزب الوطني الديمقراطي.. الذي يحكم منذ أمد بعيد وممتد… وقد ورث فكر الحزب الأوحد القديم..وأصبح هو نفسه الذي له حق منح ومنع قيام أي حزب جديد.. وهو وحده الذي سوف يقرر أن يكون حزب عوض حزبا منافسا للحزب الحاكم !! ولم لا؟؟؟ وخاصة أن هذا الحزب الجديد له هدف واضح ومعلن.. وغير مسبوق في الأحزاب القائمة…. يقف إلي جواره وجوار باقي الأحزاب ندا له ولهم…. ومعظمهم لا حول لهم ولا قوة (بعض الأحزاب بها أقل من ۱٠٠ عضو).

كثيرا من الأحزاب تم تأسيسها بغرض استكمال الوجاهة الاجتماعية.. وهي أحد أهم أسباب إنشاء حزب في الدول المتخلفة والنامية.. و لدينا نماذج كثيرة..

إن تجربتي الحزبية أكدت لي أن فشل الأحزاب في مصر لا يرجع فقط إلي القيود المفروضة عليها من قبل الحزب الحاكم و الحكومة و أجهزتها السيادية و لكن الأحزاب من داخلها أيضا تعاني من الشللية و العائلية و الشخصنة و ضعف قدرتها علي اتخاذ مواقف ضد النظام لصالح الشعب و قلة تواجدها وسط الشارع و الجماهير للتعبير عن آرائهم علي عكس ما نراه في الحركات الشعبية السياسية و الفئوية التي أثبتت وجودها بجدارة في الشارع المصري.. كما أن الأحزاب تعاني من ندرة وجود أحد من القيادات من ممارسي العمل الحزبي الذي لديه الاستعداد للتضحية بمكاسبه و مصالحه من أجل الصالح العام.

لو أطلقنا عنان الخيال والتصور والافتراض وحدث أنه قد تم تكليف أحد تلك الأحزاب بتشكيل حكومة….علي سبيل الافتراض… فما هي النتيجة المتوقعة ؟؟ أعتقد انه فشل كبير سوف يصيب هذا الحزب وسوف يخفق في أولي خطواته..!! والأسباب معروفة !!

ماذا لو أطلقنا حرية تأسيس وإقامة الأحزاب علي مصرعيها… ويكون الفيصل الأخير والحكم هو مدي الاستجابة الجماهيرية للانضمام له… فإما أن يكون حزبا فعالا أو يختفي نهائيا… وبالطبع يعتمد هذا علي برنامج الحزب وأهدافه.. وقدرته علي البقاء والمنافسة وتحقيق رغبات المواطنين والشعب في التنمية والرفاهية…أما أسلوب المنع والرفض، بسبب أو بدون سبب يجعلنا نصدق أن رخصة الأحزاب تمنح لشخصيات معينة ولأهداف خاصة… ولا تمنح لأهداف وطنية خالصة… و الأمثلة كثيرة.

أدعوا كل الباحثين ورجال القضاء والمفكرين، وكل المهتمين بالشأن العام و الشأن السياسي.. إلي المطالبة بإعادة صياغة وتكوين الجهة المانحة لرخصة إقامة الأحزاب.. وأن تراجع قوانينها.. أو العرف.. أو التقاليد التي تسير عليها… أو التبسيط بإلغائها تماما.

و لاشك أن قضية إدانة الرئيس السوداني عمر البشير وتجريمه.. وطلب محاكمته عالميا بسبب قضية دارفور..هي ضربة موجعة للحقوق الإنسانية وللكرامة العربية… أن يحاكم رئيس دولة عربية بسبب سياساته الداخلية.. لو أن هناك عددا من الأحزاب المختلفة والمنتشرة ولها كلمتها المؤثرة في السودان.. لكانت قضية دارفور محور اهتمام شعبي … ولوجدت حلا لها و وجدت طريق سلمي لإنهاء أزمة ملايين النازحين بسبب الفقر… أو التطهير العرقي و الديني.

فحرية إقامة
أحزاب تتيح مزيد من الحريات ومزيد من طرح الآراء والأفكار والتشاور كما تغنينا عن شبح مطالبة المجتمع الدولي بمحاكمة رؤسائنا في المنطقة العربية دوليا… فهل من مجيب !!

أنور عصمت السادات

عضو مجلس الشعب السابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This field is required.

This field is required.