20فبراير

خلل حاد في منظومة التنوير والتثقيف ألمَّت بعقول طلاب العلم وألحقت الدمار بالرسالة السامية التي اعتز بها المعلم علي مر الزمان وفي كل مكان، حيث نشأت الأجيال تلو الأجيال من المعلمين الذين كانوا يتفاخرون برسالتهم الهادفة ومساهمتهم المجتمعية في غرس بذور الفكر والتأمل في عقول تلاميذ مراحل التعليم ما قبل الجامعي.. لكن وبكل أسف وصل بنا الحال إلي مجتمع طلابي فاقد للعلم والثقة والمعرفة وفي بعض الأحيان هبط بعضهم إلي درجة الأمية!

إن المنظومة التعليمية تتمثل في مثلث أضلاعه الجهاز البشري «المعلم» والمناهج الدراسية والطلبة المتلقين.. إذا أهملنا أي ضلع منه لسوء التخطيط أو القرارات المتسرعة وغير المتوازنة تبعثرت المنظومة كلها، فالعملية التعليمية ليست فقط مناهج نرغب في تطويرها ومدرسة تتباهي بإمكانياتها وتربية نغرسها بوسائل العنف وإنما معلم مثقف يقدر قيمة العلم وله دور إيجابي وفعال في سير العملية التعليمية.. فنجد المعلم في الدول المتقدمة هو الوسيط الذي يقوم بتيسير العلاقة بين الطالب ومصادر المعرفة وليس تحويل الطلبة إلي حفظة لا يفقهون ما يقولون!

ولابد أن نعلم أن الجهاز البشري «المعلم» هو اللبنة الأولي والقاعدة التي ترتكز عليها المنظومة وهو همزة الوصل الأساسية والمؤكدة بين العلوم وثقافة البيئة المصرية الممتدة جذورها عبر التاريخ وبين التلاميذ والطلبة المتلقين.

لذا وجب أن يكون مؤهلاً للقيام بهذا الدور شديد الأهمية لنهضة البلاد لضمان عدم تخليه عن رسالته السامية، ليبذل أقصي جهده بمنتهي الأمانة لتحقيق الهدف المنشود تخريج أجيال ناضجة الفكر متطلعة إلي التثقيف باحثة عن المعرفة، لكن أنظروا إلي الوضع الآن – المعلم وجد نفسه منزلقًا في مناهج دراسية ربما لا يثق في فحواها، أو مغزاها وتلاميذ قفزوا في المراحل التعليمية المختلفة ففقدوا التركيز والتحصيل وامتنعوا عن المعرفة طالما النجاح متواصل – وما يزيد من الكارثة كتب خارجية غير مراقبة تمامًا لتحفيظ التلميذ ما قل ودل بغرض تأدية الامتحان لا أكثر ولا أقل.. والحقيقة أن كثيرًا منا ينعت المعلم المتمسك بقيمه مفتخرا بدوره بالرجعية والتخلف وعدم التواصل مع الأساليب الحديثة مما أحبطهم جميعا وأجبرتهم القرارات التي لم تراع ظروفهم للسير مع الركب مضطرين وليس راغبين فوافقوا علي الدروس الخصوصية.

ولقد شهدت هذه الفترة حركة مجتمعية من كوادر «معلمون بلا نقابة» وشبكة «روابط معلمي مصر» ليدق ناقوس الخطر من مشاكل فئة كبيرة من المهنيين والتي تشكل جزء مهمًا ومؤثرًا في مجتمعنا العربي الذي يعد فيه المعلم المصدر المعلوماتي الوحيد للطالب في ظل انحسار دور الكتب والأبحاث والمراجع.. ولا نستطيع أن ننكر أن هناك بعض المحاولات الحكومية مثل المجلس الأعلي للثقافة والذي وضع في أولويات أجندته التربية والثقافة.. وإني علي أمل أن تقوم تلك المبادرات في تصحيح المسيرة التعليمية في مصر.إنها بحق أزمة كادر يصرخ رافضا الاستهانة به وبدوره الجليل في العملية التعليمية.. مطالبًا بتحسين ظروفه المادية عن طريق أجر عادل ومنصف يغنيه عن قرصنة البيوت المصرية عن طريق الدروس الخصوصية! يحلم بنقابة حقيقية تعبر عن مطالبه، وتدافع عن حقوقه وتعمل علي رفع مستوي المعلمين الثقافي والاجتماعي.. نقابة مستقلة عن مؤسسات الدولة والمؤسسات الحزبية.

وفي النهاية لا أملك إلا الترحم علي الدكتور «طه حسين» ومن بعده «لطفي السيد» ومن رافقهم وتابعهم من رواد حركة النهضة والتنوير في مصر لتحقيق النتائج المرجوة من النظام التعليمي لبناء الأمة المصرية باعتبار التعليم العمود الفقري لكيان الأمم.

أنور عصمت السادات 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This field is required.

This field is required.