فى وقت تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والسياسية إقليميًا ودوليًا، يظل ملف حقوق الإنسان أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا فى مسار بناء الدول واستقرار المجتمعات .. وفى مصر، لم يعد هذا الملف مطروحًا باعتباره شعارات نظرية، بل بات جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة الحديثة، يستند إلى التزام دستورى وإرادة سياسية معلنة تسعى إلى الموازنة بين متطلبات الأمن والاستقرار، وحقوق المواطن فى الكرامة والمشاركة والعدالة الاجتماعية.
خلال عامى 2024 و2025، شهد الملف الحقوقى المصرى تحركات متسارعة عكست هذا التوجه، من خلال قرارات رئاسية مباشرة، وتشريعات جديدة، وبرامج حماية اجتماعية موسعة، وانفتاح متزايد على الحوار المجتمعى، إلى جانب حضور دولى فاعل فى آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، توّجه فوز مصر بعضوية مجلس حقوق الإنسان للفترة (2026/2028)، وتجديد تصنيف المجلس القومى لحقوق الإنسان فى الفئة (A).. هذا التحقيق يرصد حصاد ملف حقوق الإنسان فى مصر، بين ما تحقق من إنجازات تشريعية ومؤسسية واجتماعية، وما يواجهه من تحديات تتطلب مزيدًا من الجرأة والشفافية، مستعرضًا دور الدولة والمجلس القومى لحقوق الإنسان، والتفاعل مع الاستعراض الدورى الشامل، وجهود تمكين الفئات الأولى بالرعاية، وصولًا إلى ملامح الاستراتيجية الوطنية الجديدة (2027/2032) التى يترقبها الشارع الحقوقى بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمرحلة أكثر عمقًا وشمولًا فى مسار الحقوق والحريات.
صدر عدد من التشريعات المرتبطة بممارسة وحماية الحقوق المدنية والسياسية، كان من أبرزها قانون تنظيم لجوء الأجانب، إلى جانب القوانين المنظمة للانتخابات البرلمانية. كما برزت متابعة فعّالة ومؤثرة للعملية الانتخابية لمجلس النواب، عكست اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسى بسير الاستحقاق الانتخابى، من خلال توجيهاته الرامية إلى إتمام العملية الانتخابية على نحو يعزز حرية التعبير وحرية اختيار المرشحين، ويكفل أعلى درجات الشفافية والنزاهة.. وفى السياق ذاته، شهد المشهد العام عددًا من المؤشرات الإيجابية، من بينها استمرار الإفراج عن دفعات من المحبوسين احتياطيًا بقرارات وتوجيهات رئاسية، إلى جانب اتساع نطاق الحوار حول قضايا المجال العام، بما يعكس توجهًا نحو دعم المشاركة المجتمعية وتعزيز المناخ الحقوقى.
حقوق اقتصادية واجتماعية
بذلت الدولة جهودا كبيرة لتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وإصدار تشريعات جديدة مثل قانون الضمان الاجتماعى وقانون العمل، باعتبارها خطوات مهمة نحو تعزيز العدالة الاجتماعية، ولايزال المجلس القومى لحقوق الإنسان يعمل على وضع سياسات أكثر شمولًا لضمان وصول الأثر إلى الفئات الأكثر هشاشة، وتقليص الفجوات بين المناطق والمحافظات.
وفى قطاع الصحة، تم تدشين مبادرات وطنية للكشف المبكر عن الأمراض وتوسيع مظلة التأمين الصحي، مع الإشارة إلى وجوب استمرارية العمل على تقليل التفاوت فى مستوى الخدمات ونقص الموارد البشرية فى بعض المناطق.
وعلى مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بذلت الدولة جهوداً كبيرة لتحسين مستوى المعيشة عبر رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية، وهى إجراءات تعكس إدراكًا رسميًا للتحديات المعيشية، كما شهد القطاع الصحى استمرار المبادرات الوطنية للكشف المبكر عن الأمراض وتطوير برامج التأمين الصحى، وفى مجال التعليم، استمر التوسع فى إدخال التكنولوجيا الرقمية وتطوير البنية الأساسية.
دعم الأولى بالرعاية
فيما يخص حقوق المرأة فقد تم عمل برامج تدريبية لزيادة مشاركة النساء فى الحياة العامة وتمكينها فى سوق العمل، ودعم التشريعات الخاصة بالمساواة، ورصد قضايا العنف الاسرى، كما عمل المجلس القومى لحقوق الانسان على تعزيز حقوق الطفل فى التعليم والحماية من الاستغلال.. بالإضافة الى مشاركة المجلس فى إعداد مشروع قانون حقوق كبار السن وتحسين دور الرعاية الاجتماعية وعمل زيارات لهذه الدور ومؤسسات الأحداث.
الاستعراض الدورى الشامل
تفاعلت الدولة المصرية مع آلية الاستعراض الدورى الشامل لملف حقوق الانسان خلال الدورة الخامسة للاستعراض الدورى الشامل فى مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، والذى اتسم بطابع إيجابى، والمشاركة الفعالة فى مناقشات التقرير الوطنى، وتم الإعلان عن استعداد الدولة لمواصلة الحوار وتنفيذ التوصيات ذات الأولوية.
وقد عكس ذلك رغبة رسمية فى إظهار التزام جاد بالمعايير الدولية وتعزيز صورة مصر كشريك فى النظام الدولى لحقوق الإنسان، وهذا الحدث كان يمثل فرصة لتسليط الضوء على حالة حقوق الإنسان فى مصر بين التقدم الملموس والتحديات المستقبلية، حيث اعتمد فى مصادره على أدواته الخاصة من تحليل لآليات الشكاوى، والاستبيانات، والمشاهدة والملاحظة الميدانية، فضلا عن التفاعل المجتمعى من خلال ثلاثة لقاءات تشاورية مع أصحاب المصلحة التى شملت اكثر من 70 منظمة مجتمع مدنى فى محافظات القاهرة الكبرى، الوجه البحرى، والوجه القبلى، إضافة إلى اجتماع خاص بالمنظمات ذات الصفة الاستشارية بالمجلس الاقتصادى والاجتماعى بالأمم المتحدة شارك فيه 12 منظمة مجتمع مدنى مصرى.
مرحلة مفصلية
شهدت منظومة حقوق الإنسان فى مصر مرحلة مفصلية اتسمت بقدر واسع من التقدم المؤسسى والتشريعي، انعكس ذلك بشكل إيجابى فى حصول المجلس القومى لحقوق الإنسان على تجديد التصنيف (A) من التحالف العالمى للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، وهو أعلى تصنيف يمكن أن تحظى به مؤسسة وطنية ملتزمة بمبادئ باريس. هذا التقدم حدث بالتوازى مع خطوات ومساعٍ أوسع للدولة المصرية بمختلف مؤسساتها فى تعزيز المشاركة السياسية، وتمكين الفئات الأولى بالرعاية، وتطوير آليات الحماية، بما رسّخ شعوراً متزايداً بالثقة داخل المؤسسات الوطنية والعاملين فى المجال الحقوقى، وكذلك داخل منظمات المجتمع المدنى التى ترى فى هذه التحولات فعلية وواقعية يمكن البناء عليها.
حققت مصر فوزا مستحقا بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة من 2026 إلى 2028، وذلك بعد حصولها على 173 صوتًا فى الانتخابات التى جرت بالجمعية العامة للأمم المتحدة.. ويُعد هذا الفوز تجسيدًا للتقدير الدولى المتزايد لمكانة مصر ودورها الفاعل فى تعزيز حقوق الإنسان، وما حققته من خطوات ملموسة فى تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وتطوير منظومة العدالة الجنائية، وتمكين المرأة والشباب وذوى الإعاقة، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، بما يعكس رؤية الدولة فى بناء وطن يقوم على المساواة وسيادة القانون.
هذا الإنجاز يمثل رسالة ثقة دولية فى قدرة مصر على الإسهام البنّاء فى تطوير منظومة حقوق الإنسان العالمية، فضلًا عن ترسيخ دعائم دولة القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية على المستوى الوطني.. كما انه يمثل محطة مضيئة جديدة فى مسيرة الدبلوماسية المصرية، ويعزز من دورها الريادى فى دعم قيم السلام والتسامح والتعايش واحترام القانون الدولى.
جرائم إسرائيل
تظل القضية الفلسطينية شاغلا رئيسيا فى الاستقرار الإقليمى وتأثيراته المباشرة على حقوق الإنسان، وهو ما يتسق مع الإرادة السياسة المصرية فى الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة ويظهر ذلك خلال ما ينظمه المجلس ويشارك فيه من مؤتمرات حول حماية حقوق الفلسطينيين وإدانة الجرائم الإسرائيلية على النحو الذى تمت الإشارة إليه فى تعاون المجلس مع الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، فإن المجلس دائما يعلن تضامنه مع الشعب الفلسطينى، ويدين ويطالب بالتحرك الدولى لحماية حقوق الإنسان، وفى هذا الصدد أكد المجلس القومى لحقوق الإنسان موقفه الثابت والداعم لحقوق الشعب الفلسطينى، ويعرب عن قلقه البالغ تجاه الانتهاكات المستمرة وحرب الإبادة التى يتعرض لها الشعب الفلسطينى، ودعا المجلس إلى احترام قواعد القانون الدولى الإنسانى وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة لتحقيق سلام عادل وشامل .. مع انطلاق مرحلة الإعداد للاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان، تتجدد الآمال بأن تشهد السنوات القادمة نقلة نوعية أكثر عمقاً فى ملف الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر آليات أكثر احترافية ومشاركة أوسع للمجتمع المدنى والجهات التنفيذية، هذه الأجواء تخلق حالة من التفاؤل بين النشطاء والخبراء، الذين يترقبون صياغة مسار أكثر استدامة يضمن اتساع دائرة الحقوق، وتحسين مؤشرات التطبيق، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين فى مختلف المجالات.
تكامل لا تعارض
أكد السفير محمود كارم، رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان، أن العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية علاقة تكامل لا تعارض، مشددًا على أن السياسات الاقتصادية الناجحة هى تلك التى تضع الإنسان فى صدارة أولوياتها. وأوضح أن دور المجلس فى هذا الإطار يتركز على تبنى مقاربات قائمة على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للموارد، بما يسهم فى الحد من الفقر وعدم المساواة، ويعزز الاستقرار الاجتماعى على المدى الطويل.
واستعرض كارم أنشطة المجلس على المستويين الوطنى والدولى، والتى شملت تلقى الشكاوى ومتابعتها، والزيارات الميدانية، وبناء الشراكات المؤسسية، والمشاركة الفاعلة فى المحافل الدولية، مؤكدًا التزام المجلس بالحفاظ على تصنيفه فى الفئة (A) وفقًا لمبادئ باريس، والعمل المستمر على تعزيز استقلاليته وتطوير بنيته المؤسسية. كما أشار إلى أن المجلس يعمل حاليًا على إعداد استراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان، تتسم بقدر أكبر من الجرأة، وتلتزم بمعايير الشفافية والمصارحة والمكاشفة.
وأشار رئيس المجلس إلى أن تعزيز منظومة حقوق الإنسان فى مصر يظل مسارًا تراكميًا يتطلب نفسًا طويلًا، وإرادة سياسية مستمرة، وتعاونًا مؤسسيًا ومجتمعيًا واسعًا. وشدد على أن التقرير السنوى الثامن عشر الذى أصدره المجلس لا يمثل نهاية عملية تقييم، بل نقطة انطلاق لنقاش وطنى أعمق حول تطوير السياسات العامة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ ثقافة الحقوق والحريات، بما يدعم بناء دولة حديثة تقوم على الكرامة الإنسانية والمواطنة والمساواة.. وأكد كارم أن حالة حقوق الإنسان فى مصر خلال السنوات الماضية تعكس مسارًا مركبًا يجمع بين خطوات إصلاحية ملموسة وتحديات قائمة، موضحًا أن تحقيق تقدم مستدام يتطلب تعزيز سيادة القانون، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتطوير آليات المتابعة والمساءلة، وترسيخ الشراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى.
مؤسسة وطنية
ومن جانبه، قال محمد أنور السادات، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، إن المجلس واصل خلال العام أداء دوره كمؤسسة وطنية مستقلة معنية بمتابعة وتعزيز أوضاع حقوق الإنسان فى سياق محلى وإقليمى شديد التعقيد، تداخلت فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع المتغيرات السياسية والحقوقية. وأوضح أن أنشطة المجلس تنوعت بين الرصد والمتابعة، والحوار المجتمعي، وبناء القدرات، والتعامل مع حقوق الإنسان بوصفها منظومة متكاملة لا تنفصل فيها الحقوق المدنية والسياسية عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأشار السادات إلى أن الحفاظ على تصنيف الفئة (A) لا يُعد غاية فى حد ذاته، بل مسئولية متجددة تفرض على المجلس مراجعة أدواته باستمرار وتعزيز مصداقيته أمام المواطن قبل المجتمع الدولي. ولفت إلى أن هذا التصنيف، وفق معايير التحالف العالمى للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، يُعد الأعلى بين المؤسسات الوطنية، ويمثل اعترافًا دوليًا بالتزام المجلس بمعايير جوهرية، فى مقدمتها الاستقلال المؤسسى والإداري، والتعددية، وحرية الرصد وإبداء الرأى، والتفاعل الجاد مع آليات الأمم المتحدة.
تحديات
وفى السياق ذاته، أكد سعيد عبد الحافظ، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، أن السنوات الماضية شهدت تحديات متعددة، كان من أبرزها التحديات الداخلية المرتبطة بتولى قيادات جديدة إدارة المجلس، حيث تم استكمال بناء الهياكل التنظيمية واللجان والوحدات بما يمكن المجلس من أداء دوره فى الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان.. وأوضح أن التحدى الخارجى الأهم تمثل فى الحفاظ على تصنيف المجلس باعتباره من أعرق المؤسسات الوطنية فى المنطقة العربية، وهو ما نجح المجلس فى تحقيقه. واعتبر أن الجهد الأبرز الذى يحق لأعضاء المجلس الفخر به يتمثل فى المحاولات الجادة والمهنية للتفاوض بشأن تعديل قانون المجلس بما يتوافق مع مبادئ باريس، ويضمن استقلاليته واستقلالية أعضائه، مشيرًا إلى أن الحوار والانفتاح على جميع المنظمات الحقوقية فى الداخل والخارج، بما فى ذلك المنظمات المعارضة، يمثل دليلًا على أن المجلس مؤسسة وطنية منفتحة بلا انحياز.
تقييم شامل
من جانبها، قالت الدكتورة نهى بكر، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، إن الاستراتيجية الوطنية المقبلة من المتوقع أن تُبنى على ما تحقق فى الاستراتيجية الحالية (2021/2026)، مع التركيز على تقييم مرحلى شامل لمدى تحقيق الأهداف، وتحديد نقاط القوة والضعف، ومعالجة الثغرات التى أثيرت خلال آلية الاستعراض الدورى الشامل (UPR)، ومن جانب منظمات المجتمع المدنى والحوار الوطنى.. وأضافت أن الاستراتيجية الجديدة ستعزز آليات المتابعة والرقابة لضمان تنفيذ الأهداف على أرض الواقع، مع مواءمة أوضح بين حقوق الإنسان واستراتيجيات التنمية المستدامة، وفى مقدمتها رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة. كما توقعت أن تتناول استراتيجية (2027/2032) التحديات المستجدة، وعلى رأسها حقوق الإنسان فى الفضاء الرقمى، معتبرة أن الاستراتيجية المقبلة تمثل دليلًا على توافر الإرادة السياسية للارتقاء بملف حقوق الإنسان، بالشراكة مع المجتمع المدنى باعتباره طرفًا أساسيًا فى دعم هذا المسار.

